قادة العدو والمواجهات القضائية المرتقبة
الكاتب رسالات الاثنين, 21 يونيو 2010 23:53
تتوالى المفارقات التي تظهر ازدواجية المعايير وسياسة الكيل بمكيالين التي يمارسها مجلس الأمن الدولي، والتي ظهرت مجددا من خلال تداعيه على عجل مؤخرا ليس للنظر في جرائم اسرائيل وما أكثرها، انما لفرض عقوبات دولية جديدة على ايران بزعم نية امتلاكها للسلاح النووي دون ان يقيم دليلا واحدا على هذه المزاعم، غير ان مجلس الامن نفسه وقف مكتوف اليدين متفرجا أمام جرائم العدو الصهيوني بحق اسطول الحرية لا يدين ولا ينتقد ولا يفرض عقوبات ولا أي شيء من هذا القبيل، ولو وصفت الجرائم المرتكبة بانها ضد الانسانية، ولو جرت في وضح النهار، حتى ولو قدم الدليل القاطع والحاسم بشأنها.
لم تقف الامور عند هذا الحد، بل ذهب الاعضاء الدائمين في هذا المجلس أبعد من ذلك بكثير، كان همهم وشغلهم الشاغل في الآونة الأخيرة التغطية على جرائم العدو، عبر البحث عن مخارج له من المأزق الذي يتخبط به، من خلال السعي لتشكيل لجنة تحقيق على قياس "اسرائيل" وشروطها، في سابقة تاريخية غريبة من نوعها بأن يضع الجاني شروط التحقيق ويعيّن المحقق الذي سيتولى التحقيق معه بجرائمه، ما يفضي الى ان النتيجة النهائية للتحقيق ستكون معروفة سلفا.
ولعل ذلك يثير علامات استفهام كثيرة، ابرزها هي اين غيرة مجلس الأمن الدولي الذي يسارع لانشاء محاكم خاصة في جرائم كحالة لبنان ويوغسلافيا، ويتغاضى عن انشاء لجان تحقيق ومحاكم لجرائم العدو ومن خلفه أميركا مع أنهما الأكثر ارهابا في العالم أجمع؟!، وهل يعقل ألا يصدر عنه حتى مجرد اللوم بشأنهما؟!، ولماذا حينما تتعلق القضية باسرائيل تقف الايدي مكتوفة وتعوّق الألسنة مهما كان حجم الجرائم المرتكبة من قبلها؟!.
هذا الدور المتجسد بضرورة محاسبة اسرائيل على جرائمها اذا كان افتقد كثيرا في مراحل سابقة من قبل المنظمات الدولية المفترض أنها المعنية الاولى بالقيام به، الا أنه وجد مؤخرا من يحمل لواءه وبقوة من الاشخاص والمنظمات غير الحكومية الناشطة في مجال حقوق الانسان خصوصا بعد جريمة اسطول الحرية.
محاكمة "اسرائيل"
وفي هذا الاطار، نوّه الخبير القانوني والكاتب الصحفي الدكتور عمر نشابة في حديثه لموقع "المنار الالكتروني بدعوة الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله لفتح دعاوى قضائية ومقاضاة "اسرائيل" في جميع المحافل الدولية. لافتا الى أن ما نستطيع أن نحققه بهذا الاطار هو اعلامي وسياسي أكثر منه قضائي، موضحا أن المؤسسات القضائية الدولية تتحكم فيها الى حد كبير المعايير والحسابات السياسية الدولية المسيطرة، ومشيرا الى أن دول الغرب ومنها اميركا وبريطانيا وفرنسا والمانيا وهي الدول التي تعتبر أعضاء دائمة في مجلس الأمن، تتجه في سياساتها الدولية نحو حماية "اسرائيل" وليس مساءلتها حتى لو كان التصرف الصادر عنها جنائي وجرمي واضح ولا يحتاج الى دليل. معتبرا أنه اذا لم تضع الولايات المتحدة حق النقض الفيتو في وجه محاكمة "اسرائيل" فان فرنسا ستضعه أو بريطانيا على الارجح.
التحضيرات متواصلة
وفي سياق التحضيرات الجارية لمحاكمة قادة العدو، كشف نقيب محامي سوريا نزار السكيف لموقع "المنار الالكتروني" أن نقابة المحامين في سوريا بصدد التحضير لرفع دعاوى بحق العدو الصهيوني، لافتا الى أنه "سيتم عقد اجتماع خاص للجان المتخصصة للبحث عن الآليات القانونية الناجعة لمحاكمة العدو على جرائمه بحق أسطول الحرية، وذلك كشكل من أشكال الضغط السياسي باعتبار أنه اذا لم يك هناك نتائج دقيقة على الأرض من الناحية القانونية، الا انه بامكاننا أن ننقل للوجه الآخر على الأقل وجهة نظرنا القانونية"، موضحا ان ذلك "يحتاج لتنسيق وتحضيرات دقيقة"، ومشيرا في الوقت ذاته الى وجود "متخصصين جيدين وقادرين في هذا المجال".
وأضاف السكيف، انه سيجري التعاون مع الكثير من المنظمات الدولية، ولا سيما مع الأتراك ومع مجموعات قانونية في لبنان وحتى دولية في اطار أي خطوة ناجحة لمحاسبة العدو، بدءا من اختصاص المحاكم الوطنية ضمن اختصاص التعويض الشخصي وصولا الى انتهاك قانون البحار الذي يتطلب أن يكون هناك موقف بشأنه من العالم أجمع بهذا الصدد.
واذ لفت الى أن المياه الدولية هي ملك العالم، أشار الى أن العالم معني بشكل مباشر بالدفاع عن أنظمته الدولية وحدودها القانونية.
وعدد السكيف الجرائم التي ارتكبها العدو الصهيوني بعدوانه الهمجي على اسطول الحرية، لافتا الى أنه من بينها جرائم قتل، وشروع بالقتل، واعتداء على المياه الدولية، وقرصنة، ومحاولة ابادة جماعية ( هم ليسوا افراد بل مجموعات). وأضاف ان هناك تعدي على السيادة الدولية عبر سرقة جوازات سفر النشطاء كون جواز السفر يمثل سيادة الدولة التي تصدره .
وفيما أوضح نقيب محامي سوريا أنه بامكان النقابات التركية المساعدة بموضوع محاكمة قادة العدو، اعتبر ان هذا الامر سيكون بمثابة حراك ممتد يجب ان ينسق مع حراك مماثل في الشارع سياسيا وشعبيا واعلاميا، وكل ذلك من أجل أن نمتلك أدوات أقوى وأوسع تمكننا من تحقيق الضغوطات اللازمة على العدو.
المحاكم المختصة وشروط الدعاوى
بدوره، الخبير القانوني الدكتور حسن جوني الذي أشار الى أن العمل جار من أجل تحضير الدراسات القانونية اللازمة لمحاكمة العدو واعداد ملفات الدعاوى بهذا الشأن، أكد أن اعتداء العدو الصهيوني على اسطول الحرية ترجم من خلال ارتكاب عدة جرائم منها : الخطف، والقتل، ونقل السفن من المياه الدولية، واصفا مجمل هذه الجرائم بأنها جرائم ضد الانسانية. ولافتا في الوقت ذاته الى أن المجزرة المرتكبة بحق اسطول الحرية تختلف عن سابقاتها، خصوصا لجهة أن الضحايا ليسوا لبنانيين أو عرب فقط انما بينهم أجانب ولا سيما أتراك، وهذا كله سيجعل المتابعة القضائية والقانونية أكثر جدية.
واذ ذكّر جوني في حديث لموقع "المنار الالكتروني أنها ليست المرة الأولى التي ترتكب فيها "اسرائيل" المجازر، لفت الى أن المجزرة الاخيرة جاءت مختلفة لا سيما من الناحية القانونية، خصوصا لكونها لم تحصل على أي أرض عربية وحصلت في المياه الدولية، موضحا أن سلطة القضاء بحسب اتفاقية قانون البحار الصادرة عام 1982 تقول ان أعالي البحار تعود فيها السلطة القضائية لدولة العلم، أي العلم الذي تحمله الباخرة. ومشيرا في هذا السياق الى أن الاعتداء حصل على باخرة تحمل العلم التركي، وبالتالي فالاعتداء يكون حاصل على تركيا، ما يستتبع ان الصلاحية القضائية تكون هنا للمحاكم التركية التي تكون هي المختصة بالنظر بالجرائم التي ارتكبت، متوقعا ان تكون هناك معركة قانونية قوية بين "اسرائيل" وتركيا، استنادا للصلاحية الاقليمية التركية لمقاضاة قادة العدو.
- محكمة العدل الدولية
من جهة ثانية، لفت جوني الى أن محكمة العدل الدولية قد تكون صالحة للنظر في الجرائم المرتكبة بحق اسطول الحرية، لكنه أشار الى ان ذلك يتطلب أن يكون كلا من تركيا و"اسرائيل" قد انضموا مسبقا للمعاهدة التي تنص على صلاحية هذه المحكمة في حال نشوب اي نزاع بين الطرفين.
- الصلاحية العالمية
وأضاف جوني انه بامكان الضحايا اللجوء نحو استخدام الصلاحية العالمية لرفع دعاوى بحق قادة الاحتلال، مشددا في هذا الاطار على ان كثير من الدول الاوروبية وغير الاوروبية تسمح صلاحيتها بمحاكمة الارهابيين وخاصة جرم القرصنة. واذ لفت في هذا السياق الى ان القانون البلجيكي لم يعد يسمح بالمحاكمة كما جرى في السابق في الدعوى التي اقيمت ضد شارون لارتكابه مجزرتي صبرا وشاتيلا، لا سيما بعد تعديل هذا القانون، الا أنه اشار الى أن القانون الاسباني يمكن ان يشكل مخرجا قانونيا يجري اعتماده لمحاكمة قادة العدو بما يتعلق بارتكاب جرائم الارهاب والقرصنة.
- محاكم العدو
ولفت جوني ايضا الى امكانية مقاضاة قادة العدو ومسؤوليه امام المحاكم داخل الكيان الصهيوني استنادا الى ان جرم الخطف تم واستكمل بنقل النشطاء الى داخل الكيان الصهيوني، موضحا انه باستطاعة الناشطين الاوروبيين رفع دعاوى امام محاكم العدو الصهيوني، وان المح الى امكانية ان تكون هذه الوسيلة غير مجدية عمليا.
- المحكمة الجنائية الدولية
اما بالنسبة لمقاضاة "اسرائيل" وقادتها أمام المحكمة الجنائية الدولية، فلفت جوني الى أن الأفراد لا يستطيعون اللجوء للادعاء أمام هذه المحكمة، موضحا أن صلاحية الادعاء تقتصر على الدول، لكنه تساءل حول ما اذا كانت تركيا عضوا في هذه المحكمة حتى تنعقد الصلاحية، موضحا أن الاعتداء على اسطول الحرية لا يعد بمثابة جريمة حرب او ابادة، بل جريمة ضد الانسانية، لافتا في هذا السياق الى انه بامكان الضحايا الاوروبيين الضغط على دولهم لاحالة قضية الاعتداء على اسطول الحرية الى المحكمة الجنائية الدولية في حال تحقق شرطان :
-- اثبات أنه جرم من اختصاص المحكمة( جريمة ضد الانسانية )
-- أن تحيل احدى الدول الاعضاء القضية الى المحكمة او ان يحرك المدعي العام القضية اذا حصلت على دولة عضو في المحكمة( شرط ان تكون عضوا بالمحكمة منذ شهرين على الاقل).
بدوره، يؤكد الخبير القانوني الدكتور عمر نشابة أن صلاحية الادعاء أمام المحكمة الجنائية الدولية تعود للدول الموقعة على اعلان روما والمنضوية كطرف في المحكمة، واذ يشير في هذا السياق الى ان الاردن هو من بين الدول التي وقّعت على هذا الاعلان يوضح أنه اذا طلبت الدولة الاردنية من مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو اوكامبو التحرك أو اذا ما توافرت للأخير معلومات بشأن قضية الاعتداء على اسطول الحرية فانه بامكانه ان يتحرك نحو فتح تحقيق في الجرائم المرتكبة بهذا الشأن.
لكن نشابة يعود فيستدرك قائلا "ان "اسرائيل" لم توقع اعلان روما وهذا ما يجعل قرارات الجنائية الدولة غير ملزمة بالنسبة لها، ويجعلها لا تنصاع لقرارات المدعي العام الدولي".
ويلفت نشابة بهذا الصدد ايضا الى تجربة المحكمة الجنائية الدولية مع الرئيس السوداني عمر البشير وما صدر بحقه من مذكرة توقيف لم يتم التعامل معها بجدية من معظم الدول كما لم يحصل اي تعاون بشأنها، مشيرا الى أن ذلك سيشجع "اسرائيل" على عدم التعاون مع هذه المحكمة ايضا.
- لجان التحقيق
اما وقد تحوّلت عملية الكوماندوس الصهيوني المسماة "رياح السماء" الى "تخبط في الماء"، بعد الاعتداء على سفينة "مرمرة" التي مرمرت كيان العدو، فقد سارعت بعض الدول الكبرى ومنها اميركا للبحث عن مخارج للعدو لاخراجه من المأزق الذي غرق فيه.
وفي هذا الاطار، يلفت الخبير القانوني الدكتور حسن جوني الى ان ما يحصل بخصوص تشكيل لجان تحقيق في الاعتداء على اسطول الحرية يعتبر بمثابة خدمة لاسرائيل، لافتا الى ان العدو يلجأ لهذا النوع من التحقيق الداخلي الذي يقتصر على التحقيقات والمحاكمات الصورية لانقاذ عناصره من اجل تفادى القضاء الدولي الذي يتصف بكونه قضاء تكاملي.
من جهته، يشدد الدكتور عمر نشابة على ان اي لجنة تحقيق سيتم تشكيلها يجب ان تتمتع بمواصفات الحياد والاستقلال والكفاءة.
ويوضح نشابة ان مجلس حقوق الانسان في جنيف طلب تشكيل لجنة تقصي حقائق حول جريمة اسطول الحرية، موضحا ان التقرير الذي سيصدر عنها بعد تشكيلها سيكون شبيه بتقرير "غولدستون".
لكن في خلاصة الامر، لا يبدي نشابة أي تفاءل يذكر بموضوع تشكيل لجان التحقيق، موضحا أن الضغط الأميركي مرتفع لحماية "اسرائيل"، ومشددا على أن الازدواجية التي تعتمدها القوى الغربية تعطل نظام العدالة الدولية.
كل ذلك يوضح ولا شك ان المعايير تنقلب والمقاييس كلها تتبدل امام الطفل المدلل لاميركا فلا من يحاسب ولا من يحزنون. جرائم كثيرة ارتكبها العدو أدمت البشرية جمعاء، ولم يرف جفن لضمير هذا العالم الذي يسمي نفسه "مجتمع دولي" ، ولم يسع احد لايقافها او لمحاسبة مرتكبيها علّهم يرتدعون عن تكرارها. حتى كفرنا بمنظمات المجتمع الدولي لأنها اصبحت ادوات للتغطية على جرائم اسرائيل واميركا، ولم تعد مهمتها حفظ الاستقرار والامن الدولي بل أصبحت أداة للفرقة بين ابناء شعوبنا ودولنا من اجل مصلحة اميركا وربيبتها اسرائيل.
جرائم كثيرة وكبيرة تنتظر من يحاسب مرتكبيها، تداعياتها لا زالت محفورة في ذاكرتنا لا تحتاج الى شاهد او دليل بدءا من ديرياسين وجنين قانا المنصوري وغزة .. وغيرها الكثير الكثير، لا يمحوها مرور الزمن ولو طال لآلاف السنين، تتوارثها الأجيال يوما بعد يوم، لأنها محفورة في وعينا مهما حاولوا كي هذا الوعي او ارهابنا حتى لا نحرّك ساكنا من أجل قضايانا المحقة..
جرائمهم تنتظر الحساب، ربما ليس حساب المحاكم ولا المنظمات لأن حسابهم مزيّف وغير عادل انه حساب الضمير الجماعي للامة المستنهضة ... حساب المقاومة .. الحساب الذي لا بد أنه آت من أجل كل الشهداء والجرحى وكل مآسي وآلام السنين.






