الأحد سبتمبر 05

ad

تخصيص الموقع: اشكال مختلفة

Mixxmag
next prev
 

التسجيل

ad ad

ad

الزيدية في التاريخ والمعتقد

انتباه، الفتح في نافذة جديدة. PDFطباعةإرسال إلى صديق

ولد زيد بن علي سنة 75 ﻫ واستشهد حدود سنة 120ﻫ. وأدرك ثلاث أئمة هم: والده الإمام علي بن الحسين السجاد (ع)، وأخوه الأكبر الامام محمد بن علي الباقر (ع)، وابن أخيه الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع). نشأ في المدينة المنورة، وأخذ العلم عن أبيه وعن أخيه الباقر، فكان مفسرا للقرآن، عارفا بالسنة.

وقد عاصر زيد خالد القسري، حاكم العراق، الذي كان ينتهج سياسة الرفق واللين، الأمر الذي لم يعجب يوسف بن عمر الثقفي، فكتب إلى الخليفة هشام بن عبد الملك يقول: «إن أهل هذا البيت من بني هاشم كانوا قد هلكوا جوعا، حتى كانت همة احدهم قوت عياله، ولما جاء خالد أعطاهم الأموال فقووا بها حتى تاقت نفوسهم إلى طلب الخلافة». ونتيجة ذلك، بادر هشام إلى عزل خالد عن ولاية العراق وسلمها ليوسف بن عمر الثقفي. وقام الأخير بمراسلة هشام بن عبد الملك مدعيا بأن خالدا القسري كان قد أودع زيدا ستمائة ألف درهم وأنكرها زيد عليه، فأرسل هشام إلى حاكم المدينة يطلب زيدا منه، وحين وفد عليه إلى الشام حاول هشام إذلال زيد وامتهانه فمنعه من الدخول عليه أياما، ولما أذن له بالدخول أشار إلى جلسائه أن لا يفسحوا له في مجلسه.

وقد أنكر زيد أن يكون له علم بما ادعاه يوسف الثقفي حاكم العراق، فرغب إليه هشام أن يذهب إلى العراق لمقابلته، فامتنع زيد عن ذلك وعلم أنها مؤامرة مدبرة بين الوالي والخليفة للتنكيل به. وعندما ألح هشام عليه بالاجتماع بيوسف بن عمر قال له زيد: والله لئن بعثتني إليه لا اجتمع أنا وأنت حيين أبدا.

ويكشف هشام عن هاجسه بقوله لزيد: بلغني انك تحدث نفسك بالخلافة وأنت ابن أمة. فأجابه زيد بجرأته المعروفة: ويلك، أيضعني مكان أمي؟ وقد كانت أم إسماعيل أمة فجعل الله منها العرب، وجعل من العرب رسول الله. ثم نصحه بتقوى الله والرفق بعباده، فشق على هشام أن يسمع من خصمه ذلك، فانتهره قائلا بلهجة المتجبر: ومثلك يا زيد يأمرني بتقوى الله؟ فقال زيد: إنه لا يكبر أحد فوق أن يوصى بتقوى الله، ولا يصغر دون أن يوصي بها.

وقد سأله عن أخيه الإمام الباقر(ع) قائلا له: ما فعل أخوك البقرة؟ فأجابه زيد: لقد سماه رسول الله (ص) الباقر وأنت تسميه البقرة، لشد ما اختلفتما! والله لتخالفه في الآخرة كما خالفته في الدنيا، فترد النار ويرد الجنة.

فأمر هشام بإخراجه من مجلسه، فخرج وهو يقول: لن يكره قوم حر السيوف إلا ذلوا. وتوجه إلى العراق، فدخل الكوفة في النصف الثاني من عام 120 ﻫ . ومكث فيها إلى أن كتب هشام بن عبد الملك إلى يوسف بن عمر قائلا: أشخص زيدا إلى المدينة فإني أخاف أن يخرجه أهل الكوفة، لأنه حلو الكلام، شديد البيان، خليق بتمويه الكلام. فضيق يوسف عليه وأساء معاملته. وما إن أحس أهل الكوفة برحيل زيد عنهم حتى أقبلوا عليه واستغاثوا به وحثوه على الخروج قائلين له: إنا لنرجو أن تكون أنت المنصور، وأعطوه العهود والمواثيق أن يقاتلوا بني أمية معه، وبايعه منهم أربعون ألفا على رواية، وثمانون ألفا على رواية أخرى. وكان ممن بايعه جماعة من الفقهاء منهم أبو حنيفة، وتعاهده بالمال وحث الناس على الخروج معه قائلا فيه: إن خروجه يضاهي خروج جده يوم بدر.

وأخيرا، استقر زيد خارج الكوفة ومعه القراء والأشراف بانتظار تقاطر المبايعين، إلا أن تسرّب أخبار الثورة إلى يوسف بن عمر حال دون اجتماع الناس إليه. وقامت الحرب وبقي زيد في جماعة يسيرة يقاتلهم أشد قتال حتى استشهد، فدفنوه سرا، وعلم يوسف بموضع قبره فاستخرجه وبعث برأسه إلى هشام الذي أمر بصلبه عريانا ثم إحراقه وذروه في الرياح، وفي رواية أن رأسه حمل إلى الشام، ثم إلى مصر ودفن هناك.

نبذة عن انتفاضات الزيدية ودولهم

يقسم الثائرون بعد زيد إلى أصناف أربعة: أصحاب الانتفاضة، أئمة الزيدية في اليمن، أئمة الزيدية في طبرستان، دعاة الزيدية في المغرب.

1 - أصحاب الانتفاضة:
وأهم الشخصيات التاريخية من أصحاب الانتفاضات بعد زيد، والذين اتخذت الزيدية منهم أئمة، هم:

يحيى بن زيد: جاهد مع أبيه في الكوفة، ثم خرج إلى بلاد إيران، وانضم إليه نحوا من سبعمائة تقريبا حيث دارت بينه وبين الوالي الأموي نصر بن سيار معركة دامية في الجوزجان انتهت بمقتل يحيى. وتدعي الزيدية أن الإمامة قد انتقلت من والده زيد إليه.

محمد بن عبد الله بن الحسن المعروف بالنفس الزكية: تدعي الزيدية أن الإمامة قد انتقلت إليه بتفويض من يحيى بن زيد. وكان قد شارك في ثورة زيد. خرج محمد بالمدينة على الخليفة العباسي المنصور مطالبا بإرجاع الحقوق إلى أصحابها الشرعيين واجتمع معه خلق عظيم، فوجه إليه المنصور العساكر، وبعد معركة دامية استشهد محمد عام 145ﻫ.

إبراهيم بن عبد الله: بعد مقتل محمد، خرج أخوه ابراهيم في البصرة والتحق به أنصار زيد لمواصلة القتال بين يديه، وسار من البصرة في عساكر كثيرة، فسيّر إليه المنصور العساكر، وبعد معركة دامية استشهد ابراهيم في نفس العام.

عيسى بن زيد: شارك في ثورة محمد بن عبد الله، وثورة إبراهيم بن عبد الله الذي أوصى له بالأمر من بعده. وقد توارى بين أهل الكوفة وعاش عمرا طويلا متخفيا عن الناس حتى وفاته عام 166ﻫ.

الحسين بن علي الفخي: هو الحسين بن علي بن الحسن المثلث بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب - عليه السلام - وهو الشهيد صاحب فخ، خرج بمكة زمن الخليفة العباسي الهادي، وقتل بفخ يوم التروية حدود 169 ﻫ، وحمل رأسه إلى الخليفة العباسي. نقل عن الإمام الجواد (ع) أنه قال: لم يكن لنا بعد الطف مصرع أعظم من فخ.

محمد بن إبراهيم الطباطبا: محمد بن إبراهيم  طباطبا بن إسماعيل بن علي الغمر بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب. خرج بالكوفة في خلافة المأمون ودعا إلى الرضا من آل محمد، فغلب على بلاد العراق وهزم جيش المأمون، ووصلت سيطرة ابن طباطبا إلى الحجاز. مات فجأة عام 199ﻫ.

محمد بن محمد بن زيد بن علي: بعد وفاه محمد بن ابراهيم، قام مقامه محمد بن محمد بن زيد الشهيد، فندب الحسن بن سهل إليه هرثمة بن أعين، فحاربه وأسره وحمله إلى المأمون. توفي محمد بمرو بعد أن سمّه المأمون عام 202 ﻫ.

محمد بن القاسم بن علي بن عمر الأشرف بن الإمام علي السجاد: خرج في أيام المعتصم العباسي في بلاد الطالقان عام 219ﻫ، ودعا إلى الرضا من آل محمد. فتغلب عليه عبد الله بن طاهر وأرسله إلى المعتصم فحبسه في سامراء، وقد تنوزع فيه، فمن قائل إنه قتل بالسم، ومن قائل إنه استطاع بعض شيعته إخراجه سرا من الحبس ولم يظهر له اثر بعد ذلك.

يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد: خرج بالكوفة عام 250ﻫ. ودعا الناس إلى الرضا من آل محمد (ص) وأظهر بين الناس العدل وحسن السيرة، دار بينه وبين العباسيين قتال عنيف انتهى بمقتل يحيى سنة 288 في عهد المستعين العباسي.

2 - أئمة الزيدية في اليمن:
مؤسس الدولة في اليمن هو يحيى بن الحسين بن القاسم الرسي، وهو الإمام الهادي من أئمة الزيدية، ظهر باليمن أيام المعتضد سنة 280ﻫ، ودعا إلى نفسه بصعدة، فبويع للإمامة عام 288ﻫ، وأسس دولته باليمن، له تصانيف كبار في الفقه قريبة من مذهب أبي حنيفة. توفي عام 299ﻫ. وقد قام بالأمر بعد رحيله ولده محمد المرتضى، ثم ولده الآخر أحمد الناصر بعد تنازل أخيه. وكان أئمة الزيدية ملوك اليمن وكلهم من أبناء القاسم الرسي. انتهت دولتهم في اليمن بعد أن أزيل المنصور محمد البدر عن الحكم بقيام الجمهورية عام 1382ﻫ.

3 - أئمة الزيدية في طبرستان:
ظهر الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن زيد بن الحسين بن الإمام الحسن (ع) في طبرستان أيام المستعين عام 250ﻫ، واستطاع السيطرة على طبرستان وجرجان بعد قتال مرير ضد محمد بن طاهر أمير خراسان. توفي عام 270ﻫ. فقام أخوه محمد بن زيد مقامه، ودخل بلاد الديلم عام 277 ﻫ وامتلكها وتمت البيعة له. وفي عام 287 ﻫ سار نحو خراسان للاستيلاء عليها، فاصطدم بإسماعيل الساماني ومات متأثرا بجراحه. وكان الحسن بن زيد ومحمد بن زيد يدعوان إلى الرضا من آل محمد وكذلك من طرأ بعدهما ببلاد طبرستان. ثم حكم في طبرستان الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر الاشرف بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، المعروف «بالاطروش» ودعا الناس إلى الإسلام على مذهب زيد بن علي وكانوا على دين المجوسية، فاستجابوا له، واستطاع عام 301 ﻫ أن يستولي على طبرستان والديلم إلى أن وافته المنية عام 304ﻫ. وقد كان الناصر الاطروش معاصرا للامام الهادي يحيى بن الحسين الذي توفي 298ﻫ. وجاء بعده الحسن بن القاسم الملقب بالداعي بن الحسن بن علي ابن عبد الرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن السبط. وكان يضرب بعدله المثل، توفي سنة 316ﻫ. وبعده جاء محمد بن الحسن بن القاسم إلى الديلم وبايعه من علماء الامة أربعة آلاف سنة 353ﻫ. وهو الذي جمع بين القاسمية والناصرية بعد التباين العظيم بسبب الاختلاف في الاجتهاد فأظهر القول بأن كل مجتهد يصيب في الاجتهاديات. انتهت دولتهم في شمال إيران بعد وفاة محمد بن الحسن ابن القاسم سنة 360ﻫ. وروي أنه مات مسموما سنة 360ﻫ. ومع حلول القرن العاشر تقريبا انتهى وجودهم في شمال إيران كما انتهى وجود أغلب الفرق مع الحركة الصفوية.

4 - دعاة الزيدية في المغرب:
مؤسس دولة الادارسة في المغرب هو إدريس بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وإليه نسبتها. وقد حضر إدريس بن عبد الله إلى المغرب للدعوة لإمامة أخيه محمد بن عبد الله النفس الزكية، فأجابه خلق من الناس، ويذكر البعض أن ادريس كان مع الحسين بن علي الفخي في المدينة أيام ثورته على الهادي العباسي سنة 169ﻫ. وبعد مقتل الحسين انتقل إدريس إلى المغرب سنة 172ﻫ، فبايعه البربر وتم له الأمر. توفي مسموما عام 177ﻫ. وحكم بعده ولده إدريس بن إدريس الذي بنى مدينة فاس عام 192ﻫ. وقام بحملات عسكرية في جبال أطلس، ومات مسموما عام 213ﻫ في ظروف غامضة. فقام بالأمر بعده ولده محمد الذي فرّق البلاد على إخوته، ودبّ بينهم الخلاف ولم تستقر بعدها دولة الادارسة بسبب منازعة الخوارج لهم برئاسة عبد الرزاق الخارجي الصفري، وكان آخرهم الحسن بن القاسم كنون بن محمد بن القاسم بن إدريس الذي تولى الملك سنة 348 وقتل سنة 375 وبموته انقرضت دولة الادارسة من بلاد المغرب. وانتهى وجود الزيدية بانتهاء الدولة. وقد ملكوا زهاء 200 سنة تقريبا.

حول علاقة الزيدية بزيد (شبهة ادعاء الإمامة)

يميل جماعة من الكتاب المتقدمين والمتأخرين إلى أن زيدا قد دعا إلى نفسه، وأن البيعة التي أخذها من أهل الكوفة تدل على أنه قد اعتمد نفسه إماما، لأنها اشتملت على الدعوة إلى كتاب الله، وإنصاف المظلومين، وقسمة الفيء، ورد المظالم، وغير ذلك مما هو من وظائف الإمام الشرعي. وشيء من هذا لا يصح عند التحقيق:

1 - ليس في المصادر التاريخية ما يدل على أنه دعا إلى نفسه. بل تضافرت الروايات عن الأئمة من أهل البيت (ع) والتي تؤكد أن زيدا لم يدّع الإمامة، وإنما دعا إلى الرضا من آل محمد (ص)، وأنه لو ظفر لوفى.

من هذه الروايات ما رواه الكشي في ترجمة السيد الحميري عن فضيل الرسان، قال: دخلت على أبي عبد الله (ع) بعدما قتل زيد بن علي (ع) فأدخلت بيتا في جوف بيت، وقال لي: يا فضيل، قتل عمي زيد بن علي؟ قلت: نعم جعلت فداك. فقال: رحمه الله، أما إنه كان مؤمنا وكان عارفا، وكان عالما، وكان صدوقا، أما إنه لو ظفر لوفى، أما إنه لو ملك لعرف كيف يضعها.

ومنها: قوله (ع): إن زيدا كان عالما، وكان صدوقا، ولم يدعكم إلى نفسه، وإنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد، ولو ظفر لوفى بما دعاكم إليه، وإنما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه.

ومنها: رواية العيص بن القاسم عن الإمام الصادق (ع) أنه قال لأصحابه: لا تقولوا خرج زيد، فإن زيدا كان عالما صدوقا، لم يدعكم إلى نفسه، وإنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد (ص)، ولو ظفر لوفى بما دعاكم إليه.

ومنها: جاء عن الإمام علي بن موسى الرضا (ع) أنه قال للمأمون: يا أمير المؤمنين، لا تقس أخي زيدا إلى زيد بن علي بن الحسين، فإنه من علماء آل محمد (ص)، غضب لله عز وجل فجاهد أعداء الله حتى قتل في سبيله. فقال المأمون: يا أبا الحسن، أليس قد جاء فيمن ادعى الإمامة لنفسه ما جاء؟ قال الرضا (ع): إن زيدا لم يدع ما ليس له بحق، إنه كان اتقى لله من ذلك، إنه قال: ادعوكم إلى الرضا من آل محمد، وهو ممن خوطب بهذه الآية «وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم».

يقول السيد الخوئي في رجاله: وقد استفاضت الروايات في مدح زيد وجلالته وأنه طلب بخروجه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

2 - وجود نصوص يصرح فيها زيد بإمامة ابن أخيه جعفر الصادق (ع):

منها: قوله: من أراد الجهاد فإلي، ومن أراد العلم فإلى ابن أخي جعفر.

ومنها: ما رواه الصدوق في «الأمالي» عن عمرو بن خالد: قال زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: في كل زمان رجل منا أهل البيت يحتج الله به على خلقه، حجة زماننا ابن أخي جعفر بن محمد، لا يضل من تبعه، ولا يهتدي من خالفه.

3 –موقف أئمة أهل البيت (ع) من خروج زيد كان إيجابيا:

من ذلك، قول الإمام الصادق (ع): إن الباكي على زيد معه في الجنة، فأما الشامت فشريك في دمه.

ومنها: ما رواه الصدوق عن عبد الله بن سيابة أنه أتى رسول بسام الصيرفي بكتاب فيه: أما بعد، فإن زيد بن علي قد خرج يوم الأربعاء غرة صفر، ومكث الأربعاء والخميس وقتل يوم الجمعة، وقتل معه فلان وفلان، فدخلنا على الصادق (ع) فدفعنا إليه الكتاب، فقرأه وبكى، ثم قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. عند الله أحتسب عمي، انه نعم العم، إن عمي كان رجلا لدنيانا وآخرتنا، مضى والله شهيدا كشهداء استشهدوا مع رسول الله وعلي والحسين صلوات الله عليهم.

4 - ثم إن الذين بايعوه إنما بايعوه على الجهاد في سبيل الله تحت إمرته، لا على الإمامة بعد الظفر. فقد كانت بيعته التي يبايع عليها الناس هي الدعوة إلى كتاب الله وسنة نبيه، وجهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين وقسمة الفيء بين أهله بالسواء، ورد الظالمين، وإحياء السنن، ودفع البدع.. وليس في صيغة البيعة هذه ما يشير إلى أنه كان يطلب الخلافة لنفسه.

5 - ثم إن زيدا كشف في أكثر من موضع عن هدف خروجه، وأنه بسبب سوء معاملة الحكام، وما لقيه المسلمون من الظلم والتنكيل، وطغيان الجور والعدوان بين ظهراني المسلمين:

من ذلك أنه قال: إنما خرجت على الذين أغاروا على المدينة يوم الحرة ثم رموا بيت الله بحجر المنجنيق والنار .

ومنها: أنه قال: إنما خرجت على الذين قاتلوا جدي الحسين (ع).

ومنها: قوله: الحمد لله الذي أكمل لي ديني بعد أن كنت استحيي من رسول الله أن أرد عليه ولم آمر أمته بمعروف ولم أنه عن منكر.

ومنها: قوله: شهدت هشاما ورسول الله يسب في مجلسه فلم ينكر ذلك ولم يغير، فوالله لو لم يكن إلا أنا وآخر لخرجت عليه.

وكما هو واضح، فإن كلمات زيد هذه تخلو من أية إشارة إلى أنه دعا لنفسه، بل كلها تعرب عن حقيقة واحدة، وهي أنه قام للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

6 – وأخيرا، إن زيدا قام موطنا نفسه على الشهادة، ومستميتا متيقنا بأنه سوف يقتل ويستشهد، وقد سمع من أبيه وأخيه وابن أخيه أنه سوف يقتل ويصلب في الكناسة، وأنه لم يكن شاكا ولا مترددا في هذا الأمر، ومن كان هذا مآله ومستقبله فهل يمكن أن يدعي الإمامة بالمعنى المعروف بين المتكلمين!؟.

معتقدات الزيدية

تقوم العقيدة الزيدية في إيمان أتباعها على أصلين:

الأصل الأول: الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر

وأن الله تعالى واحد (ليس كمثله شيء). لا يوصف بشيء من صفات الخلق الدالة على حدوثهم. فليس بجسم، وليس بذي أجزاء. وليس له جوارح ولا أعضاء. وليس بذي جهات. لا تراه العيون، ولا تدركه الأبصار، ولا تحيط به الأوهام. وأن صفاته سبحانه عين ذاته. عالم، قادر، حي، مريد بإرادة حادثة، متكلم بكلام هو فعله: الحروف والأصوات. وأنه تعالى حكيم، وعادل في معاملة مخلوقاته، لا يظلم، ولا يكذب، ولا يعبث. وأن العقل يدرك حسن الأشياء وقبحها، وأن تكليف ما لا يطاق قبيح.

وأن بعثة الأنبياء ضرورة يقتضيها عدل الله وحكمته تعالى، حيث إنه تعالى لم يكن ليترك عباده بغير إرشاد. وأن ضرورة التناصف بين العباد، وضرورة المكافأة على الإحسان والمؤاخذة على الإساءة يدل على أن هناك بعد الحياة أمرا. وأما تفاصيل اليوم الآخر، فلا سبيل للعقل إلى معرفته، وإنما يعرف بالنصوص. وقد دلت على أن الله تعالى سيدخل الفاسقين نار جهنم خالدين فيها أبدا، وأنه لن يغفر لهم بعد مماتهم، [ ولن يقبل فيهم شفاعة أحد، بل لن يشفع لهم أحد ابتداء!! ]. وأن الإنسان هو الفاعل لأعماله دون إلجاء من الله للعبد نحو فعل من الأفعال. والطاعات والمعاصي من العبد وليست مخلوقة لله سبحانه.

الأصل الثاني: الإيمان بوجوب قيام الدولة العادلة

أغلب المسلمين جعلوا موضوع الدولة من فروع الدين على أساس أن كل قضية عملية، غير اعتقادية، فهي من الفروع. وترى الزيدية أن الدولة من أصول الدين. ويراد بقيادة الدولة رعاية مصالح العباد، وتحقيق العدل والأمن بين الناس، فهي قيادة سياسية يجب إقامتها أمام الله تعالى، كما يجب طاعتها فيما تأمر به. وليست زعامة دينية، فليس لها ولاية على الدين، بل قد يكون في الأمة من هو أكثر دينا ممن في رأسها، ولكن لما كانت العبرة بالقدرة على القيادة لم يمتنع هذا الأمر.

إن مفاهيم مثل القيادة والدولة هذه ترتبط عند الزيدية بشكل مباشر بمفهوم الإمامة، وهو المفهوم الجوهري في تبيان فكر الزيدية وما يميزهم عن غيرهم من فرق الشيعة. فما هو مفهومهم للإمامة والخلافة؟

الإمامة والخلافة
نجد مرتكزات المعتقد الزيدي حول مفهوم الإمامة في الآراء التي تداولتها الفرق الزيدية الأولى والتي تنسب إلى أشخاص عاشوا في الفترة التي تلت استشهاد زيد بن علي، وتحديدا في القرن الثاني للهجرة، وهي مرحلة سابقة على مرحلة تكوّن المذهب بواسطة أئمته الكبار المؤسسين له عقائديا وفقهيا.

ويقرر الشهرستاني في كتابه «الملل والنحل» ثلاث فرق للزيدية هي: الجارودية، والسليمانية، والبترية. وتدعي الجارودية [ نسبة إلى أبي الجارود ] أن الرسول (ص) نص على علي (ع) بالوصف لا بالاسم، وقد ضل الناس وكفروا لأنهم لم يقتدوا به بعد الرسول، ومن بعده انتقلت بالنص إلى ولديه الحسن والحسين (ع) الواحد بعد الآخر، ومن بعدهما، قيل: تكون لأولادهما ممن يخرج منهم داعيا إلى الله سبحانه إذا كان عالما فاضلا. وقيل: تكون شورى بين المسلمين على أن تكون في أولاد فاطمة. وتدعي السليمانية [ نسبة إلى سليمان بن جرير، ويقال لهم جريرية أيضا ] أن الإمامة بعد رسول الله كانت لمن يختاره المسلمون، ولا يشترط في الاختيار الإجماع، فلو اختار رجلان صالحان شخصا، يكون إماما، ولو كان في المسلمين من هو أفضل منه وأزهد، وبذلك يصححون إمامة أبي بكر وعمر. فهؤلاء ينكرون النص من الأصل وصفا وتسمية.

أما البترية [ نسبة إلى الحسن بن صالح بن حي، ويقال لهم صالحية أيضا ]  فتدعي أن عليا أفضل الناس بعد رسول الله، وأحقهم بالإمامة، ولكنه تركها لغيره، ولولا ذلك لم تصح خلافة من تقدمه، ويتوقفون في عثمان وقتلته، ولا يرون لعلي إمامة على الناس إلا بعد أن بويع بالخلافة.

تمخضت عن هذه الفرق الأبعاد الرئيسية لمفهوم الإمامة كما تبنته الزيدية، وذلك عبر القول بإمامة زيد، والخروج على الظلمة، واستحقاق الإمامة بالطلب والفضل لا بالوراثة، مع القول بتفضيل علي وأولويته بالإمامة، وقصرها من بعده في الحسن والحسين.

وقد نضجت هذه الآراء بفعل التلاقح الفكري الذي حصل بين الزيدية والمعتزلة (كما سيأتي)، واستقر بذلك مفهوم الإمامة عند الزيدية على خمس دعائم أساسية، هي:
جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل: أغلب الزيدية ترى أن الأفضل هو الأولى لقيادة الأمة في كل الأحوال ومع ذلك يجيزون ولاية المفضول إذا كان كفؤا في نفسه. وهم يرون أن إمامة علي بن أبي طالب لم تكن بالأفضلية فحسب، وإنما بها مع النص عليه. وأن قبول خلافة أبي بكر إنما هو باعتبار أنه حكم فعدل، وأن الإمام عليا لم يكن له موقف عدائي منه. وهذه المسألة عندهم فقهية فرعية يعود أمرها إلى اجتهاد المجتهد.

أن يكون الإمام من أولاد فاطمة: فما دام هناك الكفء لها من أهل البيت فلا يصح اختيار أحد من سواهم. وقد تسبب إيمانهم هذا بنعتهم من قبل خصومهم بالهاشمية، والعنصرية، والحصرية.. والزيدية تشدد على معيارية الصفات فيمن ترشحه للإمامة من أهل البيت، ليعلم أن الأمر ليس مجرد اختيار من أسرة ما، وإنما اختيار لمن تميّز في الأمة، وتطلعت دعوته السياسية إلى إقامة الحق. وهي لا تفسّق من يخالف في إمامة الإمام علي بن أبي طالب، أو يخالف في إمامة أهل البيت. وإنما تحكم عليه بالخطأ فحسب.

القول بعدم عصمة الأئمة: خلافا للشيعة الإثني عشرية. وموضوع العصمة عند الزيدية ليس من مهمات الدين. والعصمة عندهم هي مجرد تأييد إلهي يساعد العبد على ترك المعاصي. وهي أمر اكتسابي يمكن لأي عبد صالح أن يحصل عليه، سواء كان من أهل البيت أم من غيرهم، إلا أن الزيدية ترى وفقا لآية التطهير أن لأهل البيت اختصاصا في رحمة الله، بحيث يكون الصالح منهم أقرب إلى استحقاق التأييد من غيرهم. والمشهور بين الزيدية أن العصمة لأهل الكساء تعيينا، ولم يعين الله سواهم.

وعصمتهم لا تعني أنهم لا يخطئون فيما لا معصية فيه، فالعصمة لا تتعلق بالخطأ، أو السهو، أو النسيان. وأما في الفتيا أو المواقف السياسية والاجتماعية، فالقول بعصمتهم لا يعني قطعا وجوب إتباع كل شيء عنهم. وأما وجوب اتباع الإمام علي فهي في منهجه وسيرته الإجمالية التي لم تحد عن الحق نعم، منهم من يرى أنه تجب متابعة الإمام علي مطلقا باعتبار أن الأحاديث التي وردت فيه ودلت على أنه على الحق، وأن الحق معه توجب ذلك.

شرط الخروج في صحة الإمامة: تشترط الزيدية في الإمامة «الخروج» للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا إنما يكون في زمن ولاة الجور، وإلا فالأصل أن الإمامة تكون لمن تجرد لأمرها، ودعا الناس إلى بيعته. فإن كان ثمة ضرورة لثورة على ظالم، وكانت الظروف مواتية فبها، وإلا كفت الدعوة إلى النفس وبيعة الناس.
جواز خروج إمامين في وقت واحد ووجوب طاعتهما.

هل الزيدية فرقة شيعية؟

تتفق الزيدية مع الإمامية في قولهم بإمامة علي (ع) بالنص عن النبي (ص)، وإمامة الحسن والحسين بالنص، وأن تقدم غيرهم عليهم كان خطأ وباطلا.
وأما مورد الاختلاف بينهما في موضوع الإمامة، فهو أن الامامة التنصيصية عند الزيدية تنتهي إلى الإمام الحسين (ع)، ويأتي بعده دور الإمامة الدعوية القائمة على مبدأ الخروج للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتختص الإمامة بمن قام بالسيف من أولاد فاطمة بنت محمد (ع): فكل فاطمي، عالم، زاهد، شجاع، سخي، يثور لإحقاق الحق يستطيع أن يكون إماما، وبهذا الإعتبار يكون زيدا من جملة الأئمة عند الزيدية. وبتأثير من المعتقد المعتزلي استقرت الزيدية على اعتماد الإمام بواسطة الانتخاب؛ فمن اختير صار إماما واجب الطاعة.

ومن هنا لا تقتصر الزيدية في عدد الأئمة على الإثني عشر، ولا تشترِط أن يكون الإمام معصوما، بل وتجيز تقديم المفضول على الفاضل، وتوجب الإمامة شرعا لا عقلا، خلافا للإمامية. ومن خلال ذلك كله تميّز الزيدية نفسها عن سائر الشيعة في موضوع الإمامة. وهم أقرب إلى المعتزلة في الأصول منها إلى الشيعة.

الانفتاح على الاعتزال

تكوّن الفكر الزيدي من انفتاحه على الأفكار التي عاصرت نشأته وتطوره، وترك كل فكر منها أثره في محتوى هذا الفكر، وبالإضافة إلى المعتقد الشيعي الذي ورثته الزيدية عن زيد فقد تأثرت الزيدية لاحقا بشكل واضح بالمعتزلة على مستوى الأصول، قال شارح المواقف: وأكثرهم مقلدون، يرجعون في الأصول إلى الاعتزال، وفي الفروع إلى مذهب أبي حنيفة إلا في مسائل قليلة.

ولا يخفى أن العلاقة التاريخية بين الزيدية والمعتزلة كانت متينة للغاية، ومنذ البداية نجد المعتزلة يقاتلون بين يدي إبراهيم بن عبد الله بن الحسن، وينصرون إدريس بن عبد الله في المغرب. مضافا إلى التقدير الكبير الذي يكنه أعلام الزيدية لمشائخ المعتزلة، التقدير الذي أوصل أحدهم وهو الإمام أحمد بن يحيى بن المرتضى إلى أن يضع كتابا في الطبقات سماه طبقات المعتزلة، ذاكرا ضمن تلك الطبقات أعلام الزيدية، ناسبا الزيدية إلى المعتزلة.

ويعود الفضل في حفظ ما وصل إلينا من التراث المعتزلي إلى الزيدية، فقد حمل الهادي يحيى بن الحسين إلى اليمن المعتزلة إلى جانب الزيدية، وكأنه بذلك يعتبر المؤسس الأول لمعتزلة اليمن. ولما قام سلاطين السلاجقة بتحريك الحنابلة والحشوية بإبادة المعتزلة وقتلهم وتسعير النار في مكتباتهم وآثارهم، عمد بعض الزيدية بنقل ما أمكن من كتبهم إلى اليمن، منهم القاضي عبد السلام (550 – 573 ﻫ) فقد نقل المغني للقاضي عبد الجبار، والأصول الخمسة، وغيرهما من الآثار الكلامية من العراق إلى اليمن، وبقيت محفوظة هناك من الاندثار إلى أن نشرتها أخيرا البعثة العلمية المصرية.

وقد جعل الهادي الأصول خمسة كالمعتزلة تماما، لكن مع إبدال احد أصولهم وهو (المنزلة بين المنزلتين) بأصل آخر هو إثبات الإمامة في آل البيت، وبذلك أصبحت الأصول الخمسة عند الزيدية كما يلي: التوحيد، العدل، الوعد والوعيد، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إثبات الإمام في آل البيت. وهكذا تلتقي الزيدية مع المعتزلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين. وترتب عليها:

1 - خلود مرتكب الكبيرة في النار إذا مات بلا توبة، وحرمانه من الشفاعة، لأنها للعدول دون الفساق.
2 - الشفاعة بمعنى ترفيع الدرجة لا الحط من الذنوب.
3 - الفاسق في منزلة بين المنزلتين، فهو عندهم لا مؤمن ولا كافر بل فاسق.

ويضيف بعض الكتّاب أن الهادي وافق الكثير من آراء شيخه أبي القاسم البلخي المعتزلي (319 ﻫ). فلم يكن فكر الهادي رغم تميزه ورغم ما تردد عن نقده للمعتزلة سوى مزيج من أفكار الزيدية والمعتزلة. وقد خلق هذا المزيج من الفكرين بمرور الزمن تيارات واتجاهات متعددة فيها ثورية المعتزلة وفيها محافظة الزيدية وفيها الجامع بينهما؛ وقد وقف يحيى بن حمزة الذي طور أفكاره الزيدية عبر مقولات معتزلية جريئة موقفا ثائرا أصاب بعض نواحي العقيدة والخروج والإمامة ووصلت ثورته إلى المناداة بتحرير الإمامة من الاستئثار السلالي، كما وقف احمد بن يحيى المرتضى موقفا معتدلا يجمع بين محافظة الزيدية وثورية المعتزلة، وهو الاتجاه الغالب بين زيدية اليمن.

وهكذا تقاربت الزيدية مع المعتزلة في القضايا الكبرى في أصول الدين، حتى أن الإمام أحمد بن الحسين بن أبي هاشم المتوفى عام 425 ﻫ تتلمذ على القاضي عبد الجبار المعتزلي المتوفى عام 415ﻫ. وكتب ما أملاه الأستاذ حول الأصول الخمسة ولم يخالفه إلا فيما يرجع إلى الإمامة.

والزيدية إذ تؤكد على أصالتها واستقلاليتها، تقر في نفس الوقت بتأثر قدماءهم بغيرهم من معتزلة وأحناف فيما سطروه في المجالات كافة، وهي تعتبر ذلك تأثر مذاكرة لا تأثر تقليد. فتنفي أن تكون قد استمدت أصولها من مصادر أجنبية عنها، وترجع مصادرها إلى تراثها الكتابي الذي هو نتاج أئمتها والذي يمتد إلى ما قبل القرن الرابع.

علاقة زيد بالزيدية والمعتزلة

انعكست العلاقة بين الزيدية والمعتزلة - في خيال بعض الكتّاب ومؤرخي العقائد - على زيد نفسه، ووقعوا نتيجة ذلك في اشتباهات عدة، نذكرها فيما يلي:

1 - تلمّذ زيد على واصل
يدعي بعض الكتّاب وجود خلاف بين الإمام الباقر (ع) وأخيه زيد بسبب قبول الأخير بأخذ العلم عن واصل بن عطاء المعتزلي الذي يخطئ جده. قال الشهرستاني في الملل والنحل: إنه كان يتلمذ لواصل بن عطاء، ويقتبس العلم ممن يجوز الخطأ على جده أمير المؤمنين في قتال الناكثين والقاسطين، ومن يتكلم في القدر على غير مذهب أهل البيت. وقد شاع هذا الرأي بين جماعة من الكتاب اعتمادا على أمثال هذه المرويات.

إلا أن ما نقله الشهرستاني يفتقر إلى وجود مستند له؛ فكلام الشهرستاني غير مسبوق، ولم يذكره أو يشر إليه أحد من المؤرخين قبله، بل حتى المعتزلة في كتبهم، عندما يذكرون الإمام زيدا في طبقاتهم لا يذكرون هذا الأمر. ثم إن الشواهد التاريخية تعارضه، فاللقاء بينهما إن حصل لم يكن ليتم إلا بعد أن تقدم الإمام زيد في عمره، وبالتالي في نضوجه العلمي. وآنذاك من البعيد أن يكون جاهلا بتلك القضايا ليأخذها عن واصل، خصوصا أن كلا من أبيه وأخيه كانا يقولان بالتوحيد والعدل. وهذا ما رجحه الشيخ أبو زهرة في حق زيد من حيث تقارب سنه مع واصل بن عطاء، ومن حيث كفاءاته التي عرف بها، ورأى أنه يتعين أن يكون لقاؤه مع واصل بن عطاء لقاء مذاكرة لا لقاء تلمذة. ثم إنه لا يمكن أن يكون زيد تلميذا لواصل الذي يرى فسق أحد الشخصين لا بعينه: علي ومعاوية، ولا يجيز شهادة علي (ع) على باقة بقل، كما جاء عنه.

2 – خلاف حول الخلافة
نسب إلى زيد أنه كان يرى أن الخلافة بالاختيار لا بالوراثة، وأن النبي (ص) نص على الخليفة من بعده بالوصف لا بالاسم، ولا يكون الإمام إلا بعد أن يخرج داعيا لنفسه، ويجوز أن يتولاها المفضول مع وجود الفاضل. من هنا، يدعي بعض الكتّاب أن موقف زيد من الخلافة لا يتفق مع ما هو عليه الشيعة، وإنما يتفق مع ما عليه المعتزلة. ويضيفون أن الشيعة تخلوا عن زيد بسبب ترضيه عن الشيخين (أبي بكر وعمر)، فأطلق عليهم زيد مسمى الرافضة.

ويستندون في ذلك إلى ما رواه الشهرستاني عن زيد أنه قال: كان علي (ع) أفضل الصحابة، إلا أن الخلافة فوضت إلى أبي بكر لمصلحة رأوها، وقاعدة دينية راعوها من تسكين ثائرة الفتنة، وتطييب قلوب العامة، لأن عهد الحروب التي جرت كان قريبا، وسيف أمير المؤمنين لم يجف بعد، والضغائن في صدور القوم من طلب الثأر كما هي، فما كانت القلوب تميل إليه كل الميل، ولا تنقاد له الرقاب كل الانقياد.. ومن هذه الرواية استنتج الشيخ أبو زهرة جواز ولاية المفضول مع وجود الأفضل، وعلل ذلك بأن زيدا مع اعترافه بان عليا (ع) أفضل من غيره يعتقد بأن خلافة الذين تقدموه كانت حقا وطاعتهم واجبة.

وقد ناقشه في ذلك السيد هاشم معروف الحسني: ويبدو انه يحاول أن ينتزع لزيد رأيا يخالف الامامية ولو بطريق الاستنتاج والاستنباط، فلم يجد ما يؤيد افتراضه صراحة فتعلق بهذه الرواية، مع أنها لا تعبر عن رأي زيد بن علي ولم يكن في حديثه بصدد وضع أصل عام يتعلق باختيار الخليفة يعبر عن رأيه في هذا الموضوع، بل كان حاكيا ومعبرا عن الوضع الإسلامي من حيث الخلافة، وكيف وصلت إلى أبي بكر وتخطت عليا (ع)، وما أحب أن يكون مهاجما للمسلمين الأولين في اختيارهم لأبي بكر وتركهم لجده الأكبر (ع) فذكر لهم هذه المبررات، وليس فيها ما يشير من قريب أو بعيد، على انه يعتقد ذلك، أو يرى أن النبي لم ينص على جده بالخلافة.

لقد استدل أبو زهرة بهذه الرواية عن زيد، لأنها تقبل التمويه، وترك ما هو أصرح منها في التعبير عن رأي زيد الصحيح، في أن الخلافة حق لهم، وان الأولين قد استأثروا بها ودفعوهم عنها. فقد جاء في رواية ابن الأثير وابن كثير، أن أتباع زيد سألوه عن رأيه في أبي بكر وعمر، فقال: إن أشد ما أقول فيمن ذكرتم أنا كنا أحق الناس بهذا الأمر، ولكن القوم استأثروا علينا به ودفعونا عنه، ولم يبلغ ذلك عندنا كفرا. قالوا: فلم تقاتل هؤلاء إذن؟ قال: إن هؤلاء ليسوا كأولئك، إن هؤلاء ظلموا الناس وظلموا أنفسهم، واني أدعو إلى كتاب الله وسنة نبيه وإحياء السنن وإماتة البدع، فان تسمعوا يكن خيرا لي ولكم، وان تأبوا فلست عليكم بوكيل.

هذه الرواية تنص بصراحة لا تقبل التأويل والجدل على أن زيدا كان يرى أن القوم قد اغتصبوهم حقهم، واستأثروا به عليهم، وهي لا تتفق مع الشائع عنه على السنة بعض الكتاب من أنه كان يرى أن الخلافة بالاختيار لا بالنص، وإذا كانت بالاختيار عنده على حد زعم الشيخ أبي زهرة وأمثاله، فكيف كان أحق بها من جميع الناس، كما جاء في كلامه؟ وكيف يتحقق الاستئثار الذي وصفهم فيه؟ وهذه الكلمات من زيد كما تدل على أن الخلافة حق من حقوقهم المغتصبة، كذلك تدل على انه لم يدع الناس لإمامته، لأنه دعاهم إلى إحياء السنن وإماتة البدع، والعمل بالكتاب والسنة كما هو صريح كلامه.

3 – خلاف حول التقية والعصمة..
يدعي بعض الكتّاب أن مبدأ الخروج هو من المسائل التي تلقفها الشهيد زيد عن المعتزلة، لقولهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا المبدأ يناقض مبدأ التقية الذي يأخذ به الشيعة. وأضافوا أن زيدا خالف أخيه الباقر في معتقدات أخرى، كإنكاره لموضوع عصمة الإمام.

وشيء من هذا لا يثبت بمراجعة النصوص السابقة. فلم يكن زيد صاحب نهج كلامي خاص ولا تبنى رأيا خاصا به، وإنما يعود الأمر في تشكيل مذهب خاص به إلى الدعاة المتأثرين بثورته والذين ظهروا بعده بما يزيد عن نصف قرن، فساهموا في إرساء مذهب باسم المذهب الزيدي، متفتحين في الأصول والعقائد مع المعتزلة، وفي الفقه والاستنباط مع الحنفية، ونسبوا ما تبنوه من آراء وأصول إلى زيد، كل ذلك عن طريق انتزاع الرأي بطريق الاستنتاج والاستنباط، مع أن الصلة بين ما كان عليه زيد الشهيد في الأصول والفروع وما أرساه هؤلاء في مجال العقيدة والشريعة منقطعة إلا في القليل.

وفي مجال العصمة، يرى الاستاذ أبو زهرة أنها متفرعة على مبدأ الوصاية، وأن اختيار الحاكم يعود إلى النبي أو الله سبحانه، وحيث إن زيد لا يقول بذلك – على حد زعمه -، فلا بد وأن يذهب إلى عدم اشتراط العصمة فيمن يخلف النبي (ص).

يتضح بهذا أن الكتّاب نسبوا إلى زيد آراء الزيدية بعد أن استخرجوها بالتحليل والاستنتاج، ودون أن يكون فيها نص جلي يمكن الاعتماد عليه. بل قد دلّت النصوص على أن زيدا رضي الله عنه لم يخالف الأئمة من أهل بيته، ولم يدعيها لنفسه، والذي يستفاد من كلماته حول هذا الموضوع تكاد تكون صريحة في أنه لم يكوّن لنفسه رأيا يخالف فيه مذهبهم.

مصادر:
الملل والنحل، للشيخ السبحاني.
الشيعة بين المعتزلة والأشاعرة، للسيد هاشم معروف الحسني.
الزيدية: قراءة في المشروع وبحث المكونات، للكاتب عبد الله بن محمد حميد الدين.
مقالات الإسلاميين، لأبي الحسن الأشعري.
الملل والنحل، للشهرستاني.
الفَرْق بين الفِرَق، لعبد القاهر البغدادي.